تعليم الفتاة… حق مسلوب ومعركة من أجل المستقبل

في محافظة اليمن، حيث تُثقل الحرب كاهل المجتمع وتُرهق الفقرات اليومية حياتها، يظل تعليم الفتاة قضية شائكة تتجاوز حدود الفصل الدراسي لتصبح معركة وجود. فبين نصوص قانونية تؤكد أن التعليم حق أساسي، وواقع يكشف عن آلاف الفتيات اللواتي يُحرمن من حقهن، يتسع الشرخ بين ما يجب أن يكون وما هو قائم. ووفق بيانات مكتب التربية والتعليم في تعز، هناك أكثر من 65 ألف طالبة في سن الدراسة خارج مقاعد التعليم، ما يطرح سؤالًا مُلحًا: إلى أين يمضي مستقبل نصف المجتمع؟

أمل.. خطوات صغيرة على طريق طويل

قصة أمل (14 عامًا) تختزل وجع آلاف الفتيات، لكنها في الوقت نفسه تضيء الطريق بالأمل. تسكن أمل في قرية نائية بمديرية صبر الموادم، حيث الطريق إلى المدرسة ليس معبّدًا بالكتب والطباشير، بل بالشوك والتراب والغبار. يوميًا، ومع بزوغ الفجر، تحمل حقيبتها المهترئة وتسير خمسة كيلومترات على قدميها، متجاوزة الحقول والطرقات الوعرة.

تقول أمل بابتسامة طفولية: “أحيانًا أصل متعبة لدرجة أنني لا أستطيع الجلوس، لكنني أشعر أن العلم يستحق التعب.”
رحلة أمل لا تواجه فقط صعوبات الطريق، بل تصطدم أيضًا بمقاومة اجتماعية من بعض أقاربها الذين يرون أن مكان الفتاة البيت. غير أن والدها، وهو مزارع بسيط، وقف في وجه هذا التيار وقال: “أريد أن أرى ابنتي معلمة تضيء عقول غيرها، لا أن تنطفئ خلف جدران الصمت.”

بفضل دعمه، أمل اليوم من الأوائل في مدرستها، وتحلم أن تصبح طبيبة تخدم قريتها التي تفتقر لأبسط الخدمات الصحية.
هذه القصة لا تعكس مجرد نضال فردي، بل تجسد صراع مجتمع بأكمله مع العادات والتقاليد، ومع بنية تعليمية منهكة تعجز عن استيعاب طموحات الفتيات.

مدارس بلا جدران… مستقبل بلا مقاعد

الأرقام الرسمية من مكتب وزارة التربية والتعليم في تعز تكشف حجم المأساة: أكثر من 37% من مدارس المحافظة تعرضت لأضرار مباشرة أو غير مباشرة، بعضها تحول إلى ركام، وأخرى أغلقت أبوابها وتحولت إلى ملاجئ للنازحين. هذه النسبة المرتفعة جعلت آلاف الفتيات بلا مقاعد دراسية، ليقف مستقبلُهن على حافة الضياع.

سلمى… التعليم بوابة النجاح والحياة الكريمة

على النقيض من قصة أمل، تبرز حكاية سلمى (28 عامًا) كدليل حي على ما يمكن أن يصنعه التعليم. نشأت سلمى في مدينة تعز، وسط ظروف اقتصادية صعبة، لكنها أصرّت على استكمال تعليمها رغم اعتراض بعض الأقارب. حصلت على منحة دراسية، وتفوقت لتكون الأولى على دفعتها في كلية العلوم.

اليوم تعمل سلمى مهندسة في إحدى المنظمات الدولية، وتقول بفخر: “التعليم منحني استقلالي، وفتح أمامي أبوابًا ما كنت لأحلم بها.”

لكن الأثر الأعمق كان في حياتها الأسرية؛ فقد مكّنها التعليم من أن تختار شريك حياتها عن قناعة، بعيدًا عن أي ضغوط، وتضيف بابتسامة: “اخترت زوجًا يرى في العلم قيمة، لا عبئًا، وها نحن نربي أطفالنا على حب الدراسة والقراءة.”

قصة سلمى تؤكد أن التعليم ليس مجرد وسيلة للنجاح المهني، بل هو أداة للوعي واختيار أفضل للحياة الزوجية وتربية الأبناء، ليصبح تأثيره مضاعفًا على الأسرة والمجتمع.

الزواج المبكر… قيد آخر أمام الفتيات

إلى جانب انهيار البنية التحتية التعليمية، يظل الزواج المبكر من أكبر التحديات التي تواجه الفتيات. بيانات وزارة التربية والتعليم في تعز تشير إلى أن واحدة من كل خمس فتيات تتسرب من المدرسة بسبب الزواج المبكر. هذه الظاهرة لا تسرق فقط طفولة الفتيات، بل تضع نهاية لأحلام تعليمية كان يمكن أن تصنع منهن قصص نجاح شبيهة بسلمى.

تعليم الفتاة… أزمة متعددة الأوجه

ليست الحرب وحدها، ولا الزواج المبكر فقط، هما ما يعيق تعليم الفتيات في تعز، بل هناك سلسلة من التحديات المركبة التي تتشابك وتضاعف من حدة الأزمة.

الفقر: أكثر من 60% من أسر تعز تحت خط الفقر، ما يجعل شراء الزي المدرسي أو دفع رسوم رمزية عائقًا كبيرًا.
البعد الجغرافي: كثير من الفتيات يقطعن مسافات طويلة للوصول إلى مدارسهن، مما يعرضهن للمخاطر ويجعل بعض الأسر تمنعهن من الذهاب.

غياب الكوادر المؤهلة: أكثر من 30% من معلمات الريف نزحن أو تركن التدريس بسبب الأوضاع، ما أدى إلى نقص حاد في الكادر النسائي الذي يشجع الأسر على إرسال بناتهم للتعليم.
هذه العوامل مجتمعة تجعل من رحلة الفتاة نحو مقعدها الدراسي معركة يومية، حيث يلتقي العائق الاقتصادي بالعادات الاجتماعية، وتتشابك التحديات الأمنية مع غياب الدعم المؤسسي.

ومضات أمل… حين تصنع الإرادة الفرق

وسط هذا المشهد القاتم، تبقى هناك ومضات أمل. رحمة، الطالبة في الصف التاسع، واصلت تعليمها رغم فقدانها والدها، حيث عملت والدتها بائعة خضار لتوفر لها أقساط المدرسة. أما صفاء، فقد تمكنت من إقناع والدها بالعدول عن تزويجها في سن الخامسة عشرة، وأكملت تعليمها لتصبح اليوم طالبة في كلية الطب.

المبادرات المجتمعية… حين يتحول الأمل إلى فعل

في ظل غياب الحلول الحكومية الكافية، برزت مبادرات محلية لدعم تعليم الفتيات. بعض القرى في ريف تعز، بدعم من المغتربين، أعادت تأهيل مدارس مهدمة، ووفرت مقاعد دراسية وكتبًا للفتيات. هذه المبادرات، وإن كانت متواضعة، إلا أنها أثبتت أن إرادة المجتمع قادرة على صناعة فارق.

حين يصبح التعليم نافذة النجاة

في محافظة اليمن، لا يُعد تعليم الفتاة مجرد حق قانوني أو بند في اتفاقيات دولية، بل هو نافذة تُطل منها على الحياة، على الكرامة، وعلى المستقبل. بين أنقاض المدارس، وصمت العادات، وضجيج الحرب، تواصل الفتيات السير نحو الحلم، ولو بأقدام حافية وإرادة لا تنكسر.

قصص أمل وسلمى وصفاء ورحـمة ليست استثناءات، بل شواهد حية على أن التغيير يبدأ بخطوة، وأن المجتمع الذي يؤمن بتعليم بناته هو مجتمع يكتب تاريخه بمداد الوعي لا بالدموع. إن دعم تعليم الفتاة ليس ترفًا، بل هو استثمار في جيل قادر على إعادة بناء ما هدمته الحرب، وعلى زرع الأمل في أرض أنهكها اليأس.

فلنفتح الأبواب، ولنُسكت الأصوات التي تهمس بأن مكان الفتاة ليس المدرسة. فكل فتاة تحمل كتابًا، تحمل في حقيبتها وطنًا أجمل، ومستقبلًا يستحق أن يُكتب من جديد.