حين تتعلم الفتاة.. يتغير وجه الوطن

تعليم الفتيات هو حق أساسي وركيزة للتنمية المجتمعية، لكنه في واقعنا اليمني ما يزال رهينة أعراف بالية وسلاسل تقليدية تعيق انطلاقة الفكر والوعي. إن المجتمع الذي يغلق أبواب المدارس في وجه نصفه الأنثوي، يختار طوعًا أن يبقى نصفه الآخر مُقعدًا عن النهوض. فالفتاة التي تُحرم من حقها في التعلم لا تفقد مجرد فرصة دراسية، بل تُسلب منها إمكانية أن تكون فاعلة، ناقدة، وصاحبة قرار في مجريات الحياة.

النقد هنا يوجَّه ليس فقط إلى الأسر التي تضع قيودًا على بناتها، وإنما إلى البنية الاجتماعية بأسرها التي لا تزال تتعامل مع تعليم الفتاة باعتباره رفاهية أو ترفًا فكريًا، بينما هو في جوهره صمام أمان لمستقبل الأمة. إن الخطاب المجتمعي التقليدي الذي يختزل الفتاة في خانة الأدوار المنزلية الضيقة، يغفل أن التعليم يفتح مداركها لتكون شريكة في الإنتاج، في الفكر، وفي صياغة القرار.

ومن زاوية تحليلية، فإن غياب تعليم الفتاة ليس مجرد إشكال فردي، بل هو عائق بنيوي يحرم المجتمعات من مضاعفة قدراتها البشرية. كل فتاة تُحرم من المدرسة، يعني مستقبلًا عاطلًا من طاقة فكرية، وعائلةً قد تُدار بمنطق الأمية، وأجيالًا لاحقة تُسلم نفسها لدائرة الجهل. ولهذا، فإن التشجيع على تعليم الفتيات ليس شعارًا عاطفيًا، بل هو فعل استراتيجي يضمن دورة تنموية متصاعدة.

إن النقد الأعمق يكمن في مواجهة تلك الذهنيات التي تبرر حرمان الفتيات من التعليم تحت ذرائع اقتصادية أو ثقافية. فالتجارب العالمية والبحوث التنموية أكدت أن استثمار الموارد في تعليم البنات هو الأكثر مردودية على الإطلاق؛ إذ تنعكس ثماره على تحسين الصحة، تخفيض نسب الفقر، وتعزيز المشاركة المجتمعية. إن إنكار هذا الحق هو انتحار مجتمعي بطيء، وتفريط في المستقبل لصالح الماضي.

ولأننا على مشارف موسم دراسي جديد، يصبح من الواجب أن نرفع الصوت عاليًا: أن تكون المدرسة متاحة لكل فتاة دون قيد أو شرط، وأن تُكسر الجدران التي تحاول أن تحبسها في دائرة الصمت والتهميش. إن تعليم الفتاة هو المعركة الحقيقية من أجل العدالة الاجتماعية، والمعيار الأصدق لمدى نضج الوعي الجمعي.

#تعليم_الفتيات_ركيزة_التنمية